الاثنين، 30 أغسطس 2010

القصيبي .. المتنبي الثـاني

احتـذاءً بمقـالة رجـاء الصانع في العدد 13579 يوم الاثنين 9 رمضان 1431 بعنوان (لي والدان تحت الثرى) ....

ولنـا متنبّيَـان تحت الثرى ...

بالرغم من كوني تحت ظل احتدام الكلمات ووسط ملحمة تطاير أوراق المقالات المعلقة داخل لب ذهني لتتزاحم بين مسامات الخروج والانطلاق نهايةً بطرف قلمي الصريح الذي لم يصبه الإرهاق أو يعتريه الكلل فلطالما احتذى به الكثيرون لأنه في كل مناسبة أو حادثة ارتدى رداء الكفاح وحرية الفكر الفضفاض ومعطف الحقيقة الحقة ... وربما أكتسى بكساء رسول الله وآله الطيبين الطاهرين ... فمن طيبتهم تعلمت الرفق واللطف بما هو تحت تصرفي وأضحى قلمي مثالا حيا ،،، ومن نقـاء الوطنيـة تعلمت الرفق واللطف بما هو تحت تصرفي وأضحى قلمي مثالا حيا ،،، وبطهارتهم الإلهية العجائزية وببراءة الفكرة طهرت قلمي بعد منطقي مما يغضب خالقي وموجدي والذي سيؤثر سلبا إن لم أحكم له بالفناء على مسيري في طريق هذه الحياة وعلي من سأمر بمحطاتهم مرور الكرام أو أحتل جزءا من روحهم وفراغ مودتهم فأبقي بقاء الأحباء ولكن (لا) من الرحيل أو الوداع محال أو مفر.. في خضم كل هذا إلا أنني وضعت تحت سلطة ظرف ضغطني وضاق على فتحة الحبر الخناق وتحت تأثير خبر وفاة غـازي القصيبي الذي صعقني وجمدني في مكاني لبرهة فطعنت أثناءها ألف مرة لا في ظهري أو خاصرتي بل في مرفقي ويستمر الطعن والتعذيب وصولا إلى أناملي التي تحتضن رواياته وأبياته الشعرية الفصيحة والآن أضحت تحتضن بأوراق وقصيصات تعلن خبر الوفاة الذي كان أليما مرورا بتاريخه الذي أصبح عريقا وعظيما ومسيرة حياته التي احتفت بالعيش والانضفاف بوطنية وإخلاص تحت ظل ثلاثة حكام ووقف كتفا بكتف مع شعبنا السخي ومجتمعنا المؤازر بالرغم من اختلافاتنا وخلافاتنا فكان الأب والأخ والصديق والزميل ،، رغم أنني لم يسعني التعرف عليـه والتدقيق والتمحيص في كلماته وعباراته وطريقـة تفكيره المثالية إلا أن الخسارة كبيرة لكن الخسران أكبر بكل ما تعنيـه هذه الكلمة من معنى فخسارتنا لإنسان عشق إبداع الرواية وشاعرية الأبيات وعظمة الإنجاز وتميز الإدارة لا تضاهي خسراننا متنبي آخر وأتمنى بأنني لست أبالغ كثيرا إن وصفته متنبيا لأن خسارة الشاعر المتنبي في زمانه كانت خسارة أحد أسياد اللغة والأدب فأضحت زاويته بيضاء بلا حبر أو حتى أثر لأبيات نقشت أثناء تلفظه أنفـاسه الأخيرة فكيف بخسارة متنبي عصرنا هذا فعاد ذلك الركن شاغراً ينتظر إنساناً شاعراً أديبـاً وصف بالندرة والفرادة والتميز.. إنساناً روائيـاً يتسم بعظمة حكمتـه وحنكـة منطقـه ومبدئـه الأول في الحيـاة فلطالمـا خيل لنـا وعرفنـا أن همه الأول لا يتعدى لائحـة تحوي على هموم النـاس ومشاغلهم باختلاف أعمـارهم وطبقـاتهم الفكريـة والاجتمـاعية وتعد من أولى أولويـاته ولكن العديد أو القليل منـا لم يفقـه أن همـه الأسـاسي هذا لهو غـائر في ذاتـه وأعمق من ذلك بكثير وذلك بيّنٌ في جرأتـه ومصداقيتـه وشفـافيته واهتمـامه المكرس والمتوازن فعليـاً في جل الأمور والقضـايا وأنـا واحدة منهم ..

في موقفي هذا إن ذكرت لـه أفعـاله وإنجـازاته الخيرة في سبيل الله تعـالى وفي سبيل الوطن والمليك ثـانيـاً فسيطول مقـالي مستقلـة الصفحـة بأكملهـا وزواياهـا برمتهـا فأرجو أن اقتبـاسي لأقوال المثقفين والشعراء والإداريين في سيادتـه سيوفيـه ويكفي قامته الرشيدة من الملحق الخـاص به –رحمه الله- في العدد 13576 يوم الاثنين، فبدءاً من الشـاعرة السعودية ثريـا العريض التي قـالت بأسى وألم بـالغ ( لقد فقدنـا قمة من قمم السياسة والإدارة والأدب في منطقـة الخليج فاليوم قد رحل قـامة كبيرة فنسأل الله أن يرحمه ويتغمد روحه الجنة ) ..

والشاعر البحريني عبد الرحمن رفيع حين قـال ( العباقرة والقصيبي واحد منهم، الذين أعطوا البشرية أكثر مما أخذوا ستبقى أسماؤهم لامعة لا يستطيع الزمـان أن يطويهم ولا عـالم النسيان أن يخيم عليهم.. رحم الله أبا سهيل وندعو المحبين والمعجبين بسيرته الرائعة أن يدعو له بالرحمة فهو خير ختـام ) ..

إلى جـاسم الصحيح الذي ختم حديثـه بقولـه ( أيها الراحل العزيز.. أيها الطائر المهاجر.. هاأنت تخرج الآن من هذا القفص الضيق لعلك تجد فضاءً أرحب من هذه الأرض يتسع لزغاريدك.. هاأنت تخلع عنك ثوب الصلصال وتشف نوراً ساطعاً في أعالي الغيب كما كنت دائماً في لحظات الوجد حينما يحلق بك الشعر في آفاقه بحثاً عن المعاني العـذراء.. هاأنت الآن تموت موتاً قليلاً في رحلة البحث عن معنى جديد للحياة وها نحن باقون في انتظارك عائداً لنا بالقصيدة )...
وحيرتي هنـا تكـاد أن تقـارن بحيرة رئيس تحرير جريدة اليوم الفـاضلة حين أحتـار بوصفـه قائلاً :
ما أصعب أن ينعى الإنسان شخصية اجتمعت فيها كل الصفات الجديرة بالاحترام ..
ما أصعب أن يرثي المرء، رجلاً كانت له بصماته في كل المسؤوليات التي تحملها بشجاعة، ودافع عنها بصدق، وضحى من أجلها بإخلاص ..
ما أصعب أن أنعي الوزير، والسفير، الشاعر والأديب والأخ والصديق غازي القصيبي..

وفي خوض تصارع الحروف وتضـاربها فيه لا أقول سوى يا حبذا لو كنا عند حسن ظنه وما ثبت عليه حدسه ويقينه بعد وفاته كما كنا في حياته فنادرا في زمننا هذا أن نلاقي في منتصف الطريق إنسانا يؤمن بنا لذواتنا أكثر و أسخى من الإيمان بنا لقدراتنا وطاقاتنا ... قد أبالغ إن قلت أنه عبارة عن حكمة فريدة متنقلة والآن أمست في ليلة الفراق وفقد العزيز متوقفة على مدى حرصنا واهتمـامنـا النـابعان عـادةً من تقديرنـا لوطنيتنـا وقوميتنـا في كافة الشؤون فمن اللازم بعد هذا الفقد الجسيم استغلال أصحـاب العقول الحكيمـة والاعتماد عليها بعد الله بالتواصل التفاعلي بها مع الأفراد والجماعات فالتمسك بها والعمل بمقتضياتها هو كاستغلال أندر الفرص وأثمنها ؛؛؛ لا تجلبوا لأنفسكم بأنفسكم شماتة الأعداء في فشلكم في حصد العظة والفائدة والنصيحة من حياة هذا الإنسان بعد فشلكم في الإستغنام والاستغلال الخيّر ..

- فببكـاء الدكتورة رجـاء الصـانع سنبكيه، وبأسى الشاعرة ثريا العريض سنأسى من أجلـه، وبرثـاء جاسم الصحيح سنرثيـه، وكحيرة محمد الوعيل سنتوه في تفسيره وشرح فضائله، وبمدح الشاعر عبد الرحمن رفيع ستبقى ذكراه في صميم القلوب وخـالدة في لب العقول ..

- مقـالي هذا ليس لرثـاءه والتبـاكي على خسـارتنـا الكبيرة وخسرانـه الجسيم فقط إنمـا لتعليم وتلقين ذواتنـا قيم ومبـادئ مَن فقدنـاهم وخلدت ذكراهم في زاويـة الفؤاد حيث أحتكروهـا من خلال صفـاء احاسيسهم التي تلمسناهـا في ابيات شعرهم وسطور كتاباتهم وحريـة فكرهم وتفهمهم القويم كالشاعر المتنبي .. من خلال حبهم للإنسـانية النقيـة من شوائب الأنـانية وحوافز الجري وراء المصلحـة الشخصية وإنمـا المصلحة الجمـاعية بالإضافة إلى وفـائهم لقيمهـا وأساسياتها وتسـامحهم النـابع من ثقـافتهم واجتماعياتهم ومن احترامهم لالتزاماتهم وواجبـاتهم ومن ثقتهم الخـالصة في حنكتهم البـارزة في دبلوماسيتهم وسياستهم وديمقراطيتهم كغـازي القصيبي عندمـا قال(لو كنت أخشى تبعـات قراراتي لاختبأت في أقرب كهف) رحمك الله يالقصيبي ..

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق