الأحد، 15 أغسطس 2010

الجهـاد في سبيل الحريـة الفكريـة


في عصرنـا هذا يتراكض النـاس ويتهـافتون وراء الحريـة الإنسـانية فينشلونهـا من مستنقع الأسر والتعبيـد مخلفين وراءهم حريـة الفكر والمعتقـد وغـاضين النظر عن كونهـا جزء ثمين ومكمل أساسي مصون يصون عفـاف الأفعـال والأقوال وهي بذاتهـا وطبيعتهـا مكملـة للحريـة الجسديـة وبلاهـا لما كان للحيـاة طعم لأن للاختلاف طعم وللتنـاقض طعم وللتضـاد طعم وبدونهم نضيع و تضحى الدنيـا بلا مـذاق ..
عندمـا أطلنـا على الدنيـا لأول مرة والتي ليست لهـا كرة (إلا بمشيئة الله) علمنـا أن معنى الحريـة يشمل العقل والجسد وليس من الممكن أن نتلبس لباسهـا ونُلَقّب بألقابهـا إن اقتصرت على أحدهمـا بل تظل وتبقى نـاقصة والإنسـان بفطرتـه يعشق الكمـال ويستهواه فيبقى مسمى الحريـة قاصراً وفي نظر القوانين التي تستند عليهـا محكمة الملأ والمجتمع تعد مجرمـاً وصغيراً اجتمـاعياً لأنك مجرد تـابع لا غير وبالتـالي يضل المغزى مسلوب الأطراف ومنحطٌ فكريـاً في عقلانيتـه فهو عـاجز في الوصول إلى جذور الأمور وأعمـاقهـا ووهمي في خلق حكمـه ومبـادئه فيكون فـاضي الوفـاض ..
فمن الجميل أن يكون لكل منـا رأي حكيم ووجهة نظر سديدة ؛ خصوصاً إذا كانت متميزة في طرحهـا ووضعها طبقـاً للتداول والنقـاش على طـاولة الحوار ؛؛ إنني لا أحرض على أن يكون للمرء رأي لا يظهر به حق ومستحق ولا يزهق به بـاطل من البواطل بل أن يكون لـه وجهـة نظر اعتقـادية لهـا صلة بالصحة والحقيقـة والتوافق المنطقي الفكري والاجتمـاعي وإن اختلفت المنـاطق وتباينت العقليات التي يحـادثهـا ويواجههـا بين فترات متقـاربة كانت أم متبـاعدة ؛؛ فلا بأس أن تكون قائداً لنفسك في أحد المجـالات وتابعـاً في البقيـة ..

صحيح أن الحيـاة ستصبح أفضل وأقر عينـاً وأسعد خـاطراً إن اتفق الجميع من رؤسـاء وحكمـاء وأمراء ؛؛ من تربط بهم أواصر المحبـة الصديقـة وحبـال الأخوة الغرة الوثيقـة ؛؛ إن اتفقوا كلهم على رأي واحد وذوق واحد ونوع واحد ولون واحد فكأنمـا الدنيـا بيضاء بلا ألوان وكبيت بلا أثـاث وكلبـاس بلا إكسسوار وكقلم بلا حبر ..
إذاً، للاختلاف حلاوة برهـان وألذ حجـة ودليل ففي هذا الوضع يمكنني ويمكن لكل من يوافقني الرأي أن يقف معي في صف التنـاقض والاختلاف بالرغم من أنني أعشق وأهوى التوافق والاستقرار فلكل حـال ثـابتة استثناءات واضحة جليـة وتنـازلات حقـة وعن حسن نيـة كما نلقي حججنـا وأعذارنـا متتاليـة ومتتـابعة في وجه من يقف في وجوهنـا ..
في حياتنـا المعتـادة أضحى التعبير عن النفس والتصريح عن ما يخـالج الذات ميزة إن امتلكها الإنسـان أصبحت له مكـانته الرفيعـة وشخصيتـه المستقلـة وإن تطور المر إلى عـادة يمارسهـا وموهبـة إلهيـة يقتنيهـا فيستخدمهـا في أبسط الأشيـاء وأعقدهـا، في إيجابيـات الأمور لا سلبيـاتها ..

الإنسـان تحدث لـه انتكاسات وانقلابات يطوق كيـانه وفكره ويقلب حيـاته بأكملهـا فيضحى حاله أسوأ ما يكون وما هو غير متوقع أما بسبب أوجـاع المستقبل و جروح الحـاضر أو "سجون المـاضي" نقلاً عن مقـالة للكـاتبة لميس ضيف :
"سجون المـاضي"
كل البشر الذين ترونهم مثقلون بذكريات الماضي ، بندوب تاريخهم الذي لم يكتمل، تلك الندوب والذكريات التي تجعلهم كمن يسكنون أرضا بركانية : متأهبين دائماً للهزات.. متحفزين دوماً تأهباً للانفجارات. عاجزين عن الاستمتاع بالحياة كيفما هي ..تساءلت يوماً : كيف يستطيع الطفل أن يصرخ ألماً ويجرح وجنتيه بالدموع ثم يعود ـ في اللحظة ذاتها ـ ليفرش ابتسامة تسع الكون وتقبض على كل معاجم الفرح ؟! حقاً : كيف يبكي الأطفال بهذه الحرقة ؛ حتى ليخيل لك أن الحياة قد شظفت بهم وأن لصوص الفرح تسربوا لآذانهم واغتالوا أحلامهم وحرقوا مدنهم.. ثم يباغتونك بضحكة من لم يعرف الدمع في حياته؛ ويرمقونك بطرف ملاك لم يجرد من أجنحة الجنة بعد.. !!ألأنهم ، ببساطة، بلا ذاكرة..؟! بلا ذاكرة تعذبهم وتشقيهم.. وتلح عليهم لكي لا يركنوا لشيء ولا يثقوا بتقلبات الحياة .. ذاكرة تسر لهم أن قوس القزح يتلاشى سريعاً .. وأن من يضحكون معهم قد يضحكون عليك.. وأن الورود تذبل وتموت.. ربما؛ فما من شيء أشقى البشرية بقدر ذاكرتها الحمقاء الحديدية..!! فالجلد ليس وحده من يتجعد مع تقدم العمر لأنه يفقد القدرة على التجدد والتألق .. فالنفس البشرية - أيضاً - تتجعد وتترهل فاقدةً القدرة على الحماس والفرح والانطلاق والحب والصفح..في القرن التاسع عشر ظهر فرويد بنظرية غيرت وجهة علم النفس.. بقوله إن للمرء منا عقلين :ظاهر وباطن.. والعقل البشري بذلك أشبه ما يكون بجبل الجليد : رأس مدبب يطل من فوق سطح المياه القطبية؛ فيما يتوارى الجزء الأكبر منغمساً تحت الماء متلاعباً بأمزجتنا وقراراتنا "وهو ما يسمى باللاوعي أيضا".. ذاك اللاوعي هو عبارة عن كوة تراكمات لتجارب وآلام وجروح وصدمات وذكريات وخيال. نعم خيال..فالذكريات غالباً ما تخالجها الخرافة لأن العقل البشري الخلاق قلما يحتفظ بالذكرى كما هي ؛ لذا يعملق التجارب ويضفي على صغائرها جلالاً مع مرور الوقت .. لهذا تتذكر المكان الذي أحببت على أنه أجمل مما هو .. وتبالغ في تقدير حبك الأول .. وتستحضر صورة الحبيبة التي غدت على أنها كانت الأجمل والأكمل .. وتخطئ في تقدير الآلام والأوجاع التي مّرت وعبّرت..!!هو الماضي إذن.. ذاك الوزر الذي نرتديه أو يرتدينا .. يُطبق على أرواحنا كقيد من حديد .. نسمعه داخل الصمت ونراه في الفراغ.. نحمله معنا في أزقة الحياة ونسمح له أن يدير دفة يومنا وغدنا ليحرمنا الفرح والاندفاع والنشوة والعفوية وكل ما يلون الحياة من مفردات .. مهزلة هي نعيشها دونما قرار .. لا خلاص منها إلا بالغطس في ماء الصفح المثلج .. والتطهر من أدران الذكريات التي تعيق الحياة .. ربما لا يكون محو الذكريات خياراً ولكن رصها في خزانة الماضي خيار حصيف .. تماماً كما أن العيش فيه خيار أحمق..!! السعادة ملك مشاع .. والمرء منا يحتاج كل حين أن يطارح عقله ويطلق سراح بعض الهموم التي تثقل حركته.. لذا.. فاسترض نفسك وروض ذاكرتك .. مزق أوراق الماضي بكل ما حمله من فشل وخيبات وأقبل على الغد إقبال الرضيع.. فأجمل ما في الحياة؛ هو حب الحياة كما قال أنيس منصور..رحيق الكلام :قف؛ أطلق رجليك للريح .. وأعط ظهرك لكل ما يطوق بهاء روحك وينكس هامتك ..

أتمنى أن يكون قـدْر العنوان ملائماً للمحتوى ....!!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق