السبت، 26 يونيو 2010

خـلاء


لكل سلوك حيـاتي ثقـافة تشمل فروعـه وأصنـافه وتضع بل تعمل (كعـادة الثقـافات)على إقحـامه في الممارسات الأخرى وإدراجـه في مجموعـات ولكل منهـا نسبـة مدروسـة لتواجد هذا السلوك الحيـاتي الذي أُنشئت لأجلـه ثقـافة مستقلـة ودراسات تمتع بالاكتفـاء الذاتي فلا تتبع سلوك الدراسات الأخرى التي اتخذتهـا العلوم البشريـة بكثرتهـا وغزارتهـا في تقسيمهـا وتصنيفهـا تـارة وبعمقهـا وغرابتهـا في تفسيرهـا والبحث عن أسباب وجودهـا وغايات تثبت حجج عقليـة مقنعـة لا تحتمل الدحض أو الدمغ أو النقض تـارةً أخرى وبالتـالي ندخل في فصول الفلسفـة الفكريـة في توضيحـه كأسلوب الشفـافية في تبيينـه أو تقوم بما تقوم به الذرائع التي ليست إلا وسـائل فإسدال الستـارة كرَّة بعد كرَّة وتغليفهـا بالغموض الذي يشعرنـا بدوره بالاستحـالة وصعوبـة تعـامل لم نعهدهـا من قبل ولكن ليس لمن يصيِّر المجـازفـة بجـانب للاستكشـاف والاستطلاع إلى شغف جديـد له كل يوم ويحول عقبـة الرهبـة التي تخلفهـا بالونـة الغموض إلى هواء لا يؤخر الخطوات ولا يصارع تلك الإرادات ؛؛؛ فهذا ما يسلكـه الإنسـان الإيجـابي على الدوام ولو في أبسط الأشيـاء حسيـة كانت أو معنويـة وأبسط الأمثلـة هو الفراغ الذي أضحى كلاً منـا متخصصاً في أحد فروعـه التي أصبحت تلحق بقـانون اللا معدوديـة أو اللا محصيـة منذ أن خالطت أحد فصول الفلسفـة والمنطق ..

كما هي العـادة لو سألت من حولك ما هو الفراغ بل ما لهيـة التي يستنـد عليـه في تعريفـه وتفسيره (طبعـاً لا أستطيع أن أقول تحديـده وتعيينـه لما سيأتي لاحقـاً)لقـالوا مثلمـا يقولون حينمـا كانوا صغـاراً يحملون حقـائبهم الصغيرة على ظهورهم للذهـاب إلى المدرسـة الابتدائيـة يجرون إليهـا متشـغفين للعلم والمعرفـة ؛؛ ينهلون لونـاً آخر من التفكير والإدراك الذهني ..حينمـا يردد المعلم على مسـامعهم كلمة"فـراغ" فيقولون في وقت واحـد أنـه مجرد فراغ يخلو من الاستشفـاء العلمي والمعرفي بين المذاكرة والتي تليهـا ففيـه إما أن تمـارس إحدى هواياتك المفضلـة والتي تتفـاوت بين المفيد والضار كالفرق الشـاسع الواسع بين القراءة ومشـاهدة التلفـاز لساعات طوال وغيرهـا.. أليس هذا ما يقـال ؟؟!
ولكن عندمـا ندير برؤوسنـا لذات اليمين والشمـال لرأينـا ما لم نستطع رؤيتـه وملاحظـة كل ما تغـافلنـا ملاحظتـه ..
كعندمـا تستلقي على فراشك لمجرد أخذ قسط من الراحـة الجسديـة والطمأنينـة النفسيـة فتنتبـه إلى الخطوط والألوان التي يحويهـا وبشكل أدق وقد يلفت انتبـاهك ما نُقش على الجدار الذي بجـانبك من كلمات غريبـة لهـا معـانٍ غـامضة رُتبت على هيئـة قصيدة أو خـاطرة ربمـا ففي تلك اللحظـة تفكر بطريقـة لم تفكر بهـا من قبل فتتفهم بالتـالي ما لمقصد ورائهـا مهمـا كان صنفهـا الأدبي أو صيغتهـا اللغويـة وإن اختلفت لغتهـا عن لغتنـا الأم .. ربمـا عندمـا تنظر وبتمعن إلى كل ما تملك سترى مالم تره مسبقـاً لكثرة أشغـالك في هذه الدنيـا الزائلـة لا محـالة ؛؛ حينمـا تطيل النظر فيمن حولك باحثـاً عن لاشيء عن لا هدف.. فتلاحظ الغريب أو المثير للإعجـاب ؛؛ ربمـا المضحك أو ما يستدعي التفهم والتعـاطف أو يحرك مشـاعر الشفقـة على شيء مـا أو شخص مـا ؛؛ ربمـا .. الوقوف للحظـة لتراجع موقفك في القضية الفلانيـة وما لجهـة التي صففت برفقتهـا أو ضدهـا فسترى في تلك اللحظـة التي تتميز بندرتهـا وفرادتهـا لكثرة انشغـالك أو لوفرة أوقات فراغك إلى من ستنحـاز !!!
عندمـا تلتفت لنقشـة أو لكتـابة على الجـدار أو تتمعن فيما تملك أو تطيل النظر أو متى ما دققت في زاويـة ما بلا غـاية فعليـة وراء ذلك فالزمن الذي تمـارس أثنـاء هذا الفعل وذاك ؛ ما هو إلا وقت فراغ تتخللـه بعض العادات اليوميـة الطبيعيـة البشريـة أو (الشغلانـات "تصغير أشغـال" كما تقول صديقتي المقربـة)التأمليـة لأشيـاء مبهمـة ملتبسـة جزئيـاً في البدء ويُختم بالجلي والوضوح ؛؛ كعضة الحكيم التي تعـاد كذا مرة والتي تتلخص في إفراغ كوبك "عقلك" لتكون لك الحقيقـة شفـافـة > واضحـة > قريبـة للمتنـاول ..

إن الفراغ الذي أقصده هنـا ليس كالفراغ المتعـارف عليـه كالمتواجد في الفضاء الخـارجي أو في الإنـاء الذي كان ممتلئـاً لزمن ليس بقريب أو بعيـد ..
بل كالفرق والبون بين معنى كلمـة "بعيد"على المستوى الزمني والذي يرادف الغـابر والمـاضي والسـابق و بين معناهـا على المستوى المكـاني والذي يرادف النـائي والمنزوي والمنعزل فما بين المعنيين أو دعونـا نقول أن ما يشغل الفرق والبون ليس هو إلا فراغ ..
- الفراغ ليس فقط إهدار الوقت والجهد على شيء غير مستحق ولا يوفي الفـائدة الفعليـة وراء وجود وقت الفراغ في هذا الكون الدؤوب المتقـدم والذي يخيل لنـا أنه لا يفقـه أمر التوقف والإركـان إلى الكسل أو ما هو أعظم منه كالتكـاسل المبذر للطاقات بجل أنواعهـا ومصادرهـا إنمـا عندمـا تمـارس نفس الفعل وذات الشيء مراراً وتكراراً من غير توقف لتتـأمل مدى التشـابه والتقـارب والنتيجـة واحدة والتي قد تكون فائضة فتدمر النظـام الإداري أو النظـام الكوني بذاتـه فيتحقق بذلك المغزى وراء مفردة بذر القوى الفعلي والعملي في
قاموس الحيـاة كالشيء الذي يدمر نفسـه بنفسـه (التدمير الـذاتي) وما يشغل حقل الفـائدة إلا "فراغ" ...

- الفراغ ليس فقط حينمـا تعمل عملاً دونمـا أن يكون لك مرمى الهدف خاليـاً بل حينمـا تكون نتـائج الهدف يصب في رصيدك وما يصب في رصيد الآخرين ما هو إلا "فراغ"
ومن جهـة أخرى ؛؛؛؛
الفراغ هو حينمـا تضحي وتضحي و تضحي والفـائدة والمنفعـة تصب لتلبى مصالح ورغبـات الآخرين وما يلبي رغباتك ويملئ مصالحك فلا تظفر إلا بنظرات الود والإعجـاب والتي تنطق بما يخـالج تلك النفوس من فكرة يتخذونهـا بشأنك في عصر لا تثير اهتمـام مقيـاسه الثقـافي والحيـاتي وغيره تلك الأفكـار والنظرات لأنهـا بالنسبة إليه "فراغ" بل يثيره المقـدار الذي وصلت إليـه أرصدتنـا باختلاف محتوياتهـا ...
- الفراغ ليس فقط اتخـاذ النوم وسيلـة للفرار والهروب من لاشيء بل الاختبـاء كذبـاً من شيء يستلزم العمل عليـه ومواجهتـه مهمـا كانت صعوبتـه أو خطورتـه ويستوفي إنهـاؤه في فترة زمنيـة محـددة لتحقيق غايات نستهدفهـا ونصبو إليهـا بعد إتمام المهمـة المطلوبـة ...
- الفراغ هو أن تعمل على تكرار قولك مرةً بعد مرةً وهو في الأسـاس ما هو إلا محورة وبلورة لوجهـة نظر من يشـاركك الحوار والجدال ...
وكفى

فالقـائمـة تطول وتطول والسبب هو أنه أضحى للفراغ ثقـافة قد تنعزل أحيـاناً أو قد تمتزج بغيرهـا من الثقـافات ولهذا السبب ترددت كثيراً بشأن إضافة هذا الموضوع ..

قبل أن أغلق هذه المسـاحة من مدونتي أود إخبار القراء والمتـابعين الأعزاء أنني قد أنشر إحدى مقـالاتي المتواجدة هنـا في صحيفـة أو جريدة ما كجريدة اليوم كما اعتـدت وهذا بنـاءً على رغبـة المشرفـة على صفحـة صبـايا والتي حـاز على إعجـابهـا المصداقيـة والصراحة القـائمة عليهـا مواضيعنـا ومناقشاتنـا هنـا ..

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق