الأحد، 11 يوليو 2010

ممـا أتذكر (ذكـرى س.م)



في وقتنـا الحـاضر الكثير منـا من ينفس عن غضبـه، عن قلقـه، عن مللـه، ويعمل على كسر روتينـه اليومي باللجوء إلى أجهزة التكنولوجيـا العصريـة المعتـادة والجديـدة كالتلفـاز والحـاسوب والآي بوي وما يمـاثله و يغض النظر ومن غير قصد عن أجهزتنـا القديمـة والتي أيضاً لا تخلو عن صفات التقنيـة والتطور المعيشي كالراديو مثلاً والمسجلات المتعددة الأحجـام وغيرهـا (تذكرت "البيجر" الذي لا يزال مستخدمـاً وفي نطـاق الحـاجة البشريـة كالأطبـاء على مختلف مجالاتهم وربمـا المهندسين أيضاً ) ومن الجـانب التعليمي نرى اتخـاذ الآلات المترجمـة للغـات على اختلافهـا لسرعته أولاً وتقليص الجهد والوقت قدر الإمكـان لمعرفـة المعنى الحقيقي للكلمـة المرادة ترجمتهـا والعمل على تنحيـة كتب القـاموس الكبيرة أو الصغيرة من أمامك لتعلم أسرع مثلمـا يقـال وفي وقت أقل ولكن يتضح لنـا أن تلك الآلات التي نعتمد عليهـا غالبـاً لا تحوي على الكثير مثلمـا كنـا نتوقع كآلات الترجمة تماماً فالكلمـة لا تتواجد فيهـا وبالرغم من تعديلهـا وبرجمتهـا إلكترونيـاً ولكنهـا قد تكون موجودة بين طيات صفحـات القـاموس مهمـا كان حجمـه وإن أتينـا إلى مثـال آخر كالمسجلات المعتـادة التي نسيهـا البعض منـا فأبقـاها في مكـانهـا المألوف منذ مدة وإن لم تخنـه الذاكرة في الغفلـة والنسيـان أحب العودة إليهـا وتجربتهـا ليسترجع نسمات الأيـام الخوالي فيلاحظ أن الصوت ربمـا ليس نقيـاً مثلمـا أعتاد عليـه من قبل الأدوات الأخرى ولكن صفـاء صوتـه يجده في الداخل ؛؛ داخل نفسـه حينمـا يعود على إثر صداه إلى سـاحل الذكريـات مثلمـا يقولون دائمـاً وهذا أمر ينمي فيـه روعة المـاضي وذوق التـاريخ الذي لا يُمل منـه أو يُستقصَى من زحـام الأذواق الروحيـة العديدة التي اجتـاحت زمننـا هذا فلم تنسينـا ذلك الذوق الرفيع بالرغم من قِدَمـه وانضمامه إلى معمعـة التراث إلا أنـه لازم المقدمـة ليحوز على الذكرى الأولى والعلامـة السـابقة لتراث العـائلة مهمـا كانت قيمتـه المـادية فالأهم هي قيمتـه المعنويـة لدى الفرد والذات ؛؛ قيمتهـا اعتبـاراً لا ثمنـاً ..

على غير عـادتي لجأت وبعيداً عن مسببات القلق والضجر إلى النـاحية اليمنى من مكتبـة التلفـاز المتواجدة في صالة المنزل وقمت بفتحـه وبخـاطري أن أضع يدي على رف الأشرطـة الاعتيـادية والتي ابتعـدت عنهـا منذ فترة طويلـة استغرقت سنـة كـاملة كما أتوقع ..أخذت واحداً وكـان الاسم لافتـاً جداً لأنـه كان محببـاً إلي عندمـا كنت في الخـامسة عشر من عمري فقد كان لهذا الشريط قصـة مميزة ومبهجـة ؛؛كانت قصة اكتشاف منشـد مختلف عن كل المنشدين ... ربما كـان مميزاً واستثنائيـاً في نظر فتيـات العـائلة بعد التعرف على عالمـة بريطـاني إسلامي يدعى كما أتذكر بـ(حمزة يوسف) والذي كان أسلوبـه مختلف ومتبـاين قليلاً عن بـاقي الدعـاة إلا أننـا تبعنـا المثل القـائل والذي ينوه ويشير ويشجع على الاختلاف من أجل التميز والاستثنـائية الغير محضة أو العفويـة وهذا ما أتسم به منشدنـا (سامي يوسف) الذي أسر الجميع على مستوى الشرق الأوسط فالجميع يتوق إلى حضور إحدى حفلاتـه أينمـا كانت وحلّت للاستمـاع إلى أغـانيه الجديـدة أو المستمع إليهـا وبشكل مبـاشر وهذا ليس ببعيـد عن الإثـارة والتشويق وكنـا نحن أيضاً فلأول مرة تكون لنـا أمنيـة من هذا النوع ولكنهـا لم تكن حلمـاً فأتذكر قول إحدى اللاتي يتخصصون ويدرسون علمـاً يدعى الـ(Meditation) وهو كما يعلم البعض أنـه علم تـأملي وتفكري ولـه مغزى (الاستغراق التـأملي) في شيء مـا أو معتقـد مـا وقد يعني (الحديث التفكري) الذي يدور عـادة حول موضوع ديني أو فلسفي أو اجتمـاعي أو غيره ؛؛ فمن أحد أقوالهم أن الأمنيـة تختلف تمامـاً عن الحلم ففي بدايـة الأمر لم أستطع على فهمهـا ولم أقتنـع بهـا أي أنهـا مثلما يقـال(ما دخلت بـالي)ولكني عندمـا أرجع بالذكريـات لقصة الاكتشـاف المثيرة والتي لُحِقت بالأمنيـة الشبه مستحيلـة تفهمت وأدركت حجم البون والفرق الكبير بين المعنيين ...

وضعت الشريط داخل المسجل وسحبت القـابس لتشغيلـه وظللت قرابـة الثلاث دقـائق لأتذكر كيف يعمل ؟؟ وكل من حولي أخذ يضحك إستهزاءاً من تصرفي هذا والغير مقصود وبعد أن استرجعت الذاكرة وللـه الحمد ضغطت على زر التشغيل فانتشر صدى أنغـامه بين أرجـاء الغرفـة فيرتـد وينعكس وصولاً إلى مسـامعي وكأنهـا تعيد لي عهدهـا السـابق حينمـا كانت عـاملاً كبيراً في العمل على تنقيـة الصوت كما يجب فنصل إلى أقصى درجـات المتعـة والإثـارة أو الغرق في أعمق مشـاعر البهجـة والحريـة والحزن والشوق اعتمـاداً على ألحـان الأغنيـة المختـارة أو أننـا نترنم ونستمتع على إيقـاعاته الموسيقيـة الفريـدة كالأمر ذاتـه حين نستمع إلى الشيخ حسين الأكرف في معزوفاته المتنـاسقة مع صوتـه كـ(ثمن الحريـة) و(الوعد الصـادق) والكثير الكثير ...
كان الأمر أكثر حلاوةً وتشويقـاً من السـابق فمنذ أن أدرت الشريط لتشغيلـه وأنصت إلى صوت المنشـد أتت على بـالي ذكرى طريفـة جعلتني أنفجر ضحكـاً بين تعجب واستغراب من حولي ؛؛ حينمـا أحببت مفـاجأة إبنـة عمي الصغيرة والتي كـانت في الصف الأول إلا أنهـا ذو عقل فهيم ولسـان شبه طويل ومحبـة للتقليـد و المحـاكاة في كـافة الأمور المقتدر عليهـا طبعـاً فما لا تحبـه سيعد من أكثر الأشيـاء التي تحبهـا لاحقـاً وهذا يعود إلى تعلقهـا الشديد بي وبإخوتي ؛؛ فكـانت ردة فعلهـا على غير المتوقع التي جعلتهـا تقفز فرحـاً وتطلق صرخـات متتابعة معبرة عن إعجـابهـا الكبير واندهـاشهـا الذي لا يوصف حتى إنهـا عجزت عن الكلام فلم تجد إلا الضحك بعنفوانيـة شديدة وسيلـة للتعبير عن بهجتهـا وفرحهـا العـارمة ... يا إلهي كان الأمر في غـاية الطرافـة فما في الأمر أنهـا كانت واقفـة بجـانبي حيث أنني ألحظ في نظراتهـا التشوق والتحري لما سأفاجئهـا به وفجأة ومن غير سـابق إنذار ركضت مسرعـة إلى النـاحية الأخرى تحـاول قول ما يخالجهـا إلا أن الضحك قد أمتلكهـا وأمتلك جل حواسهـا فأضحكتني ..
لازمت فراشي وأنـا استمع إلى كل أغنيـة وبدقـة لم أعهدهـا من قبل محـاولـة مني لأبعـاد الملل ولفهم العبـارات التي كـانت باللغـة الإنجليزيـة ووجدت نفسي أردد بلسـاني الكلمـات معـه أو قبلـه فالذاكرة كانت في حـالة عمل دائم والسبب يعود أن وقت النوم قد قَرُب وأخذ النعـاس يغـالبني ويسحبني إلى عـالمه اللا محدود وفي الجهـة الأخرى كنت في حـالة مقـاومة لكن الهزيمـة كانت المصير المحتم فالاستسلام لتلك القوة والرغبـة ملاذي وملجـأي بعد يوم طويل ..

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق